ابن المقفع
154
آثار ابن المقفع
قالت أم الأسد : أيها الغادر الكذوب ، أتظن أنك ناج من عاقبة بك ؟ وأن محالك « 1 » هذا ينفعك مع عظم جرمك « 2 » ؟ قال دمنة : الكذوب هو الذين يقول ما لم يكن ويأتي بما لم يقل ولم يفعل . وأما أنا فكلامي حق والملك يعلم أنني لو كنت كاذبا لم يكن لي جرأة أن أتكلم هذا الكلام بين يديه لأنه قد قيل : ليس أشجع من بريء ولا أذلق « 3 » لسانا من ذي حق . قالت أم الأسد : العلماء منكم هم الذين يوضحون أمره بفضل الخطاب « 4 » . ثم نهضت فخرجت . فدفع الأسد دمنة إلى القاضي فأمر القاضي بسجنه فألقي في عنقه غل « 5 » وانطلق به إلى السجن . فلما انتصف الليل ، أخبر كليلة ان دمنة في السجن ، فأتاه مستخفيا . فلما رآه وما هو عليه من ضيق القيود وحرج « 6 » المكان ، بكى وقال له : ما وصلت إلى ما وصلت إليه إلا لاستعمالك الخديعة والمكر وإضرابك « 7 » عن العظة والنصح . ولكن لم يكن لي بد فيما مضى من إنذارك والنصيحة لك والمسارعة إليك في خلوص الرغبة فيك ، فإنه لكل مقام مقال ولكل موضع مجال . ولو كنت قصرت في عظتك حين كنت في عافية لكنت اليوم شريكك في ذنبك غير أن العجب « 8 » دخل منك مدخلا قهر رأيك وغلب على عقلك . وكنت اضرب لك الأمثال كثيرا وأذكرك قول العلماء . وقد قالت العلماء : إن المحتال يموت قبل أجله . قال دمنة : قد عرفت صدق مقالك . وقد قالت العلماء : لا تجزع من العذاب إذا وقفت منك على خطيئة ،
--> ( 1 ) محالك : كيدك ومكرك . ( 2 ) جرمك : ذنبك . ( 3 ) أذلق : أحد . ( 4 ) فصل الخطاب : الفصل بين الحق والباطل . ( 5 ) غل : قيد ، طوق . ( 6 ) حرج : ضيق . ( 7 ) اضرابك : اعراضك . ( 8 ) العجب : الكبرياء .